الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

591

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

شد الرحال للزيارة النبوية المحمدية ، وأنه ليس من القرب ، بل بضد ذلك . ورد عليه الشيخ تقى الدين السبكي في « شفاء السقام » فشفى صدور المؤمنين . وحكى الشيخ ولى الدين العراقي ، أن والده كان معادلا للشيخ زين الدين عبد الرحمن بن رجب الدمشقي في التوجه إلى بلد الخليل - عليه السّلام - ، فلما دنا من البلد قال : نويت الصلاة في مسجد الخليل ، ليحترز عن شد الرحال لزيارته على طريقة شيخ الحنابلة ابن تيمية ، فقلت : نويت زيارة قبر الخليل - عليه السّلام - . ثم قلت : أما أنت فقد خالفت النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، لأنه قال : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » وقد شددت الرحل إلى مسجد رابع ، وأما أنا فاتبعت النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - لأنه قال : « زوروا القبور » أفقال : إلا قبور الأنبياء ؟ ! قال : فبهت . وينبغي لمن أراد الزيارة أن يكثر من الصلاة والتسليم عليه في طريقه ، فإذا وقع بصره على معالم المدينة الشريفة وما تعرف به ، فليردد الصلاة والتسليم ، وليسأل اللّه أن ينفعه بزيارته ويسعده بها في الدارين . وليغتسل ويلبس النظيف من ثيابه ، وليترجل ماشيا باكيا . ولما رأى وفد عبد القيس رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ألقوا أنفسهم عن رواحلهم ولم ينيخوها وسارعوا إليه ، فلم ينكر ذلك عليهم - صلوات اللّه وسلامه عليه - . وروينا مما ذكره القاضي عياض في « الشفاء » أن أبا الفضل الجوهري لما ورد إلى المدينة زائرا ، وقرب من بيوتها ترجل ومشى باكيا منشدا : ولما رأينا رسم من لم يدع لنا * فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا نزلنا عن الأكوار نمشى كرامة * لمن بان عنه أن نلم به ركبا وأنبئت بأن العلامة أبا عبد اللّه بن رشيد قال : لما قدمنا المدينة سنة أربع وثمانين وستمائة ، كان معي رفيقي الوزير أبو عبد اللّه بن أبي القاسم بن الحكيم ، وكان أرمد ، فلما دخلنا ذا الحليفة أو نحوها نزلنا عن الأكوار ، وقوى الشوق لقرب المزار ، فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتسابا لتلك الآثار ،